قصة الاقتراح الإسرائيلي الذي غير تاريخ كرة القدم

    • Author, فيل جونز، من برنامج بي بي سي سبورتينغ ويتنس، وسونيا أوكسلي، من بي بي سي سبورت
  • مدة القراءة: 6 دقائق

يتذكر مارتن كيلي أنه كان يتمنى لو كان لديه مقعد صغير يقف عليه مثل بقية الأطفال في المدرجات ليحصل على رؤية أفضل.

لم يكن يريد أن تُحجب أول ركلات ترجيح رسمية في العالم برؤوس الآخرين.

في مساء دافئ يوم 5 أغسطس/ آب من عام 1970، وعلى ملعب بوثفيري بارك في مدينة هال، وصل فريق مانشستر يونايتد، المليء بالنجوم، إلى نهاية الوقت الإضافي متعادلاً بنتيجة 1-1 مع فريق هال سيتي من الدرجة الثانية في مباراة كأس.

وقبل ذلك بستة أسابيع، كان مشرّعو كرة القدم قد قرروا إنهاء العمل بقاعدة رمي العملة لتحديد الفائز، واستبدالها بنظام جديد يقوم فيه خمسة لاعبين من كل فريق بتنفيذ ركلات من مسافة 11 ياردة، في مواجهة حارس المرمى فقط.

"يا إلهي"، فكّر كيلي، الذي كان يبلغ من العمر 11 عاماً آنذاك ويشجع هال سيتي، "إنه جورج بست، أحد أعظم اللاعبين على الإطلاق، سيُسدد أول ركلة جزاء في أول ركلات ترجيح في تاريخ كرة القدم".

كان ذلك شيئاً يستحق المشاهدة.

لم يكن أحد يعلم بعد أن هذه الطريقة الجديدة لحسم مباريات كرة القدم المتعادلة ستصبح تجربة مقلقة للأعصاب إلى درجة أن بعض الجماهير واللاعبين والمدربين بالكاد يستطيعون مشاهدتها.

قبل ذلك، كانت مباريات الكأس أو الإقصاء التي تنتهي بالتعادل تُحسم عبر إعادة المباراة، أو بالقرعة، أو برمي العملة.

في بطولة أوروبا عام 1968، تأهلت إيطاليا إلى النهائي بعد تخمين صحيح لنتيجة رمي العملة (صورة أو كتابة) عقب تعادلها 0-0 مع الاتحاد السوفيتي، أما النهائي ضد يوغوسلافيا فانتهى 1-1، قبل أن تفوز إيطاليا في النهاية 2-0 بعد يومين عندما التقى الفريقان مجدداً في مباراة إعادة.

بالنسبة لمن لم يكونوا راضين عن الطرق التقليدية لكسر التعادل، جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير بعد 4 أشهر، عندما سحب قائد منتخب إسرائيل ورقة مكتوب عليها "لا" من قبعة سومبريرو كبيرة، والتي حددت خسارة فريقه في ربع نهائي أولمبياد 1968 أمام بلغاريا بعد تعادل 1-1، وقد أثار ذلك غضباً كبيراً داخل الاتحاد الكروي في إسرائيل.

وقال يوسف داغان، المسؤول في الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، إنه لا بد من وجود طريقة أفضل لحسم هذه اللحظات الكبرى، أو على الأقل طريقة تعتمد نظرياً بشكل أقل على الحظ وأكثر على المهارة.

وقام داغان، إلى جانب مايكل ألموغ، الذي أصبح لاحقاً رئيس الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، بتطوير فكرة ركلات الترجيح، قبل أن يقدما مقترحاً رسمياً إلى الفيفا عام 1969، ونُشر في مجلة الاتحاد الرسمية.

وفي الرسالة، اقترح ألموغ "إيقاف طريقة تحديد الفائز عبر القرعة، فهي نظام غير أخلاقي بل وقاسٍ على الفريق الخاسر، وغير مشرّف للفائز".

ودعا إلى استبدالها بسلسلة من 5 ركلات جزاء لكل فريق، وإذا استمر التعادل بعد ذلك، تستمر الركلات حتى يضيع أحد الفريقين ويسجل الآخر.

وأثارت هذه الفكرة نقاشاً واسعاً قبل أن يتم اعتمادها في نهاية المطاف من قبل مشرّعي قوانين اللعبة، مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم ، خلال اجتماعه السنوي في إنفرنِس في اسكتلندا يوم 27 يونيو/ حزيران من عام 1970.

وبالإضافة إلى القرعة ورمي العملة وإعادة المباريات، كانت هناك طرق أخرى عبر السنوات لحسم التعادل، مثل تقاسم الألقاب أو احتساب عدد الركنيات، كما وُجدت نسخ مبكرة من ركلات الترجيح في بعض البطولات المحلية والصغيرة.

وعندما طلبت بي بي سي سبورت من الفيفا تأكيد ما إذا كانت ركلات ترجيح كأس واتني هي الأولى رسمياً، رد الاتحاد الدولي لكرة القدم بأنه لا يملك "أي سجلات تؤكد أو تنفي هذا الادعاء".

ومع ذلك، يشير المتحف الوطني لكرة القدم إلى أنها أول ركلات ترجيح في إنجلترا.

وقد استمرت العديد من البطولات، بما في ذلك أدوار كاملة من كأس الاتحاد الإنجليزي حتى قبل موسمين فقط، في استخدام نظام الإعادة، ولم يتم إدخال ركلات الترجيح في كأس الاتحاد الإنجليزي إلا في موسم 1990-1991 في حال استمرار التعادل بعد الوقت الإضافي في مباراة الإعادة.

وبعد قرار مجلس مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1970، لم يمض وقت طويل حتى جاءت أول فرصة لرؤية ركلات الترجيح تُستخدم لحسم مباراة كرة قدم احترافية.

فهل ستكون هذه الطريقة البديلة عن رمي العملة أقل قسوة؟

في ذلك المساء في هال، ضمن بطولة كأس واتني وهي بطولة كانت تقام قبل بداية الموسم، بدأت الإجابة تتضح.

قال كيلي في برنامج "سبورتينغ ويتنس" على بي بي سي: "لم أصدق الأمر، فريقي العزيز هال سيتي كان يواجه جورجي بيست، وبوبي تشارلتون، ودينيس لو، هذا يشبه وجود ميسي ورونالدو ومبابي في فريق واحد".

وقال لاعب هال سيتي السابق فرانكي بانكس: "كانت مباراة كبيرة، أن تلعب ضد مانشستر يونايتد، الذي كان قد فاز بكأس أوروبا قبل عامين".

وأضاف قائلا: "كانت الأجواء حماسية للغاية، وكان لاعبو مانشستر يونايتد هم أبطالنا، فعلى الورق، لم تكن لدينا أي فرصة، لكننا أردنا الفوز، وأردنا أن نثبت للجميع أنه رغم كونهم ربما أفضل فريق في العالم، يمكننا أن نواجههم ونقدم مباراة قوية".

وهذا بالضبط ما فعلوه. تقدّم هال سيتي في الدقيقة 11 عبر كريس تشيلتون، قبل أن يعادل دينيس لو النتيجة لمانشستر يونايتد في الدقيقة 78، لتتجه المباراة إلى وقت إضافي، ومع اقتراب نهاية النصف ساعة الإضافية، أدرك اللاعبون أنهم على وشك أن يكونوا جزءاً من حدث تاريخي.

وقال بانكس، الذي لم يكن ضمن التشكيلة في ذلك اليوم لكنه حضر المباراة: " تيري نيل (مدرب ولاعب هال) طلب متطوعين، وكان بعض اللاعبين مترددين في التقدم لتنفيذ ركلات الترجيح، بينما كان آخرون شجعاناً بما يكفي ليقولوا.. سأسدد، سأسدد".

وأضاف: "لا أحد يريد أن يكون الشخص الذي يهدر ركلة ترجيح، وخاصة، لا أحد يريد أن يكون أول لاعب في التاريخ يهدر ركلة ترجيح".

ومع ذلك، كان جورج بيست سعيداً بأن يكون أول من يسجل، حيث سدد كرة منخفضة بقدمه اليمنى في الزاوية اليسرى.

وبالنسبة لهال سيتي، أصبح تيري نيل أول لاعب-مدرب يسجل في ركلات الترجيح، ليساهم في بقاء النتيجة متعادلة 3-3.

وقال بانكس: "كانت المباراة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، وكان الضجيج يصم الآذان".

لكن بعد ذلك، وفي لحظة عاشها لاحقاً عدد لا يحصى من النجوم عبر العقود، رأى دينيس لو تسديدته الأرضية تُصد من قبل الحارس إيان ماكيتشني الذي ارتمى لإنقاذها.

وقال بانكس: "سيبقى لو إلى الأبد أول لاعب يهدر ركلة ترجيح، وسيبقى ماكيتشني أول حارس مرمى يتصدى لركلة ترجيح في التاريخ".

ثم أهدر كين واغستاف ركلة لهال، وعندما سجل ويلي مورغان لمانشستر يونايتد، أدرك هال أنهم مطالبون بتسجيل الركلة الأخيرة.

وهنا أصبح ماكيتشني أول حارس مرمى يتقدم لتنفيذ ركلة ترجيح.

يتذكر كيلي: "رجاءً، ليس هو، لم أصدق الأمر، ولم تصدق أمي، وحتى أليكس ستيبني حارس مانشستر يونايتد لم يصدق وسأله ماذا يفعل هناك، كنت واضعاً رأسي بين يدي".

وتقدم ماكيتشني وسدد كرة قوية، لكنها ارتطمت بأعلى العارضة، وبذلك أصبح أول حارس مرمى يهدر ركلة ترجيح.

وقال بانكس: "ما زلت أؤكد أن إيان ماكيتشني كان الخيار الصحيح، كان يمتلك قدم يسرى رائعة، وكانت لديه الشجاعة، وكنت سأراهن على تسجيله".

وأضاف: "إهدار تلك الركلة ظل يلازم إيان طوال حياته".

بالطبع، كان هناك العديد من أمثال لو وماكيتشني منذ ذلك الحين، وفي الواقع يقول الإحصائيون إن 24 في المئة من ركلات الترجيح يتم إهدارها.

وقد حسمت ركلات الترجيح بعضاً من أكبر البطولات، إذ انتهت نهائيات كأس العالم بها ثلاث مرات في أعوام 1994 و2006 و2022.

وكان أول لقب دولي كبير يُحسم بركلات الترجيح هو بطولة أمم أوروبا عام 1976، حيث جاءت الركلة الحاسمة عبر التسديدة الشهيرة والجريئة المعروفة باسم "بانينكا"، نسبة إلى أنتونين بانينكا.

وعلى مر السنين، عانى منتخب إنجلترا للرجال كثيراً في ركلات الترجيح، إذ خسر 7 مرات بهذه الطريقة في البطولات الكبرى.

وانتهت أحلام ويلز مؤخرا في المشاركة بكأس العالم هذا العام على يد البوسنة والهرسك، في تلك الرحلة العاطفية المتقلبة التي أصبحت مألوفة في ركلات الترجيح.

لكن قبل تلك الليلة في هال، لم يكن أحد يعلم ما الذي يمكن توقعه.

وبعد 10 ركلات، عرفوا الإجابة.

قال كيلي: "كل ركلة كانت عذاباً".

وبعد أكثر من ستة عقود، لا يزال هذا الوصف دقيقاً حتى اليوم.