داخل ما يُعرف بـ"سجون السمنة" في الصين: قياس الوزن مرتين يومياً مع تمارين مكثفة ومنع لتناول الوجبات الخفيفة

تظهر تي إل هوانغ وهي تنظر إلى الكاميرا في صورة شخصية مقصوصة عند الكتفين. ترتدي نظارات ولديها شعر أسود طويل. وفي الخلفية، أُدرجت صور من المعسكر الذي شاركت فيه، حيث يظهر عشرات المشاركين وهم يرفعون الأثقال ويمارسون التمارين الهوائية داخل قاعة كبيرة.

صدر الصورة، TL Huang

التعليق على الصورة، تقول تي إل هوانغ، إن المدربين منعوا الضيوف من إدخال الوجبات السريعة خلسة إلى المخيم الذي حضرته.
    • Author, سارة بل
    • Role, بي بي سي نيوز
  • مدة القراءة: 6 دقائق

تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تُظهر أشخاصاً يمارسون الرياضة في صالة كبيرة، ويصطفّون في طوابير للحصول على طعام الكافتيريا، وينامون في مهاجع مُجهزة بأسرّة.

هذا المكان الرياضي الجديد ليس منتجعاً صحياً فاخراً، بل معسكر لإنقاص الوزن على غرار المعسكرات العسكرية في الصين. توصف من قِبل البعض بـ"سجون للسمنة"، حيث يُفرض حظر صارم على تناول الوجبات الخفيفة، ويُلزم المتدربون بالذهاب إلى الميزان مرتين يومياً.

وتشير التقارير الإعلامية الصينية إلى وجود نحو 1000 معسكر من هذا النوع في جميع أنحاء الصين، التي تُعاني أيضاً من أزمة السمنة العالمية. مقابل 600 دولار أمريكي، يُمكنك حجز إقامة لمدة شهر تشمل السكن والوجبات ودروس التمارين الرياضية اليومية.

صرحت صانعة المحتوى تي إل هوانغ، التي نشرت تجربتها في معسكر eggeats على إنستغرام، لبرنامج What in the World على بي بي سي، أنها "شعرت وكأنها في سجن" لأنها لم تغادر المعسكر لمدة 28 يوماً، وكان عليها مراقبة وزنها.

تقول: "كان مدربونا موجودين للإشراف علينا، والتأكد من عدم إدخالنا للطعام غير الصحي خلسة، ومن حضورنا جميع الحصص، ولم يكن مسموحاً لنا بالتغيب عن الحصص أو مغادرة المعسكر إلا لأسباب وجيهة".

ورغم أن هوانغ وجدت (المعسكر) فعّالاً، إلا أن خبراء تغذية حذّروا من أن الأساليب القاسية فيها مخاطر جسدية ونفسية جسيمة.

ويقول المدرب الشخصي واختصاصي التغذية لوك حنا: "تهدف بعض المعسكرات، بحسب التقارير، إلى خسارة كيلوغرام واحد من الوزن يومياً. وهذا يتجاوز بكثير ما يُعتبر آمناً حتى للبالغين تحت إشراف طبي".

لكن كيف تعمل هذه المعسكرات، وكيف اكتسبت هذه الشعبية؟

"حان وقت التغيير"

ثلاثة أشخاص يركبون دراجات رياضية على منصة مضاءة بأضواء ساطعة. نرى خيالات ضيفين يركبان الدراجات ويواجهان المدربين.

صدر الصورة، TL Huang

التعليق على الصورة، تقول تي إل هوانغ إن كل يوم في المعسكر كان يتضمن أربع ساعات من التمارين الرياضية.
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

تقول هوانغ إنها سمعت عن هذه المعسكرات لأول مرة من والدتها الصينية. كانت تشعر بتدهور صحتها بعد سفرها بمفردها في أنحاء الصين، حيث كانت قد فقدت روتينها المعتاد، واعتمدت بشكل كبير على الوجبات الجاهزة.

وعلى مدار ثلاث سنوات، تقول هوانغ إنها اكتسبت نحو 20 كيلوغراماً، ما أثار تعليقات من أقاربها الذين جعلوها تشعر بأن الوقت قد حان للتغيير.

وتضيف: "شعرت وكأنني أتعرض للتنمر بسبب وزني. لكن في الوقت نفسه، أعتقد أنهم كانوا يقدمون لي نصائح صادقة وحازمة".

كان حضور المعسكر بمثابة "صدمة ثقافية كبيرة"، لكن هوانغ تقول إن روح الزمالة القوية سادت بين المشاركين، حيث توطدت علاقتهم في رحلة إنقاص الوزن معاً.

يبدأ كل يوم في الساعة 7:30 صباحاً بقياس الوزن، ويتضمن أربع ساعات من التمارين الرياضية، تشمل حصص الدراجات الثابتة، والقفز على الترامبولين، والتدريب المتقطع عالي الكثافة (HIIT)، وتمارين تاباتا (وهي شكل أكثر كثافة من تمارين الـ HIIT)، بالإضافة إلى تمارين الأثقال.

كما أنه قد يتكون فطورها من أربع بيضات مسلوقة، ونصف حبة طماطم، وقطعتين من الخيار. في أحد الفيديوهات، تقيّم هوانغ وجبات غدائها - التي تضمنت الروبيان، والخضار المطهو على البخار، والتوفو، أو السمك المطهو على البخار، والكرفس الصيني، إضافة إلى الخضار الورقي المطهوة على البخار، والقرنبيط.

تقول إن الوجبات "جيدة ومتوازنة ومصممة لمحاكاة الطعام الصيني اليومي".

وكان يُطلب من المشاركين حضور حصة أخيرة بعد العشاء، مدتها ساعة يتمرنون فيها على الدراجة الثابتة (spin class)، قبل إجراء قياس وزن ثانٍ في الساعة 7:30 مساءً، ثم يمكنهم الاستحمام والراحة.

تقول هوانغ إن النظام كان بالنسبة لها "جديداً جداً" في الأسبوع الأول، لكنها أدركت لاحقاً أنها بحاجة إلى الاستمرار عليه لثلاثة أسابيع أخرى. وساعدها التواصل مع أصدقائها على الاستمرار.

على الرغم من وصفها للمكان بأنه يشبه السجن، لكن تعتقد هوانغ أن الأمر كان يستحق العناء، إذ خسرت 6 كيلوغرامات في 28 يوماً.

وتقول هوانغ: "منحني ذلك بداية جديدة تماماً، كما منحني النظام الذي كنت أحتاج إليه".

"يُعيق النمو الطبيعي"

امرأة ترفع قميصها الأصفر بينما تقوم امرأة أخرى بلف شريط قياس حول خصرها. لا يظهر وجه أي منهما في الصورة.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، غالباً ما تفشل أنظمة إنقاص الوزن القاسية في معالجة الأسباب الجذرية لزيادة الوزن.

يحثّ خبراء على الحذر، فمثلاً يقول لوك حنا، مدرب اللياقة البدنية المقيم في لندن، إن نهج هذه المعسكرات مثير للقلق بشكل خاص، لأنه عند فقدان الوزن، يفقد الجسم أنسجة عضلية بالإضافة إلى الدهون. لذا فإن استخدام أساليب متطرفة كالإفراط في التمارين الرياضية يزيد من احتمالية فقدان هذه الأنسجة العضلية.

وتزداد خطورة هذا الأمر عندما يكون الأطفال أو اليافعون هم من يفقدون الوزن بهذه الطريقة.

ويضيف أنه "قد يعيق ذلك النمو الطبيعي، ما قد يؤثر على طولك النهائي وصحة عظامك".

وقد يُسبب ذلك أيضاً مشاكل نفسية، مثل زيادة خطر الإصابة باضطرابات الأكل بشكل ملحوظ.

ويتابع: "يفقد بعض الأشخاص كميات كبيرة من الوزن، ما يجعل الأمر يبدو مغرياً، لكن الكثير منهم يستعيدونه بسرعة بمجرد عودتهم إلى حياتهم الطبيعية، لأن الأسباب الجذرية للمشكلة لم تُعالج".

وتوصي هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة بفقدان الوزن تدريجياً بمعدل يتراوح بين 0.5 و1 كيلوغرام.

ويقول حنا إنه ينبغي على الناس التركيز بدلاً من ذلك على تغييرات تدريجية في عاداتهم اليومية ضمن بيئتهم المعتادة، عبر الاستمتاع بوجبات غذائية منتظمة ومغذية، والحصول على كمية كافية من البروتين، وممارسة الرياضة لتنمية المهارات واللعب والاستمتاع، لا كعقاب.

في الواقع، في فيديو لاحق على إنستغرام، ذكرت تي جيه هوانغ أن أصعب ما في الأمر كان العودة إلى المنزل، لأن جسدها لم يعد يعرف كيف يكون الشعور عند تناول الطعام "الطبيعي".

كما يجب أن تتضمن الأنظمة الغذائية الصحية خَمس حصص على الأقل من الفاكهة والخضراوات يومياً، مع الحرص على ممارسة النشاط البدني لمدة 150 دقيقة أسبوعياً.

ويمكن أن يساعد أيضاً شرب الماء بدلاً من المشروبات السكرية، والحد من تناول الأطعمة الغنية بالدهون والسكريات.

تمييز

تقف تي إل هوانغ في قاعة كبيرة، تؤدي تمرين رفع الأثقال على قضيب حديدي لونه أسود وعليه من الطرفين أوزان بلون أصفر. يوجد عشرات الأشخاص الآخرين في القاعة يؤدون التمرين نفسه. وضوء الشمس يظهر من النوافذ البعيدة.

صدر الصورة، TL Huang

التعليق على الصورة، وانكينغ تشانغ تقول إن الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن في الصين معرضون للتمييز.

بدأت معسكرات إنقاص الوزن بالانتشار في الصين مطلع الألفية الثانية، عقب برنامج تلفزيوني وثّق الحياة من داخل منظمات إنقاص الوزن، كما تقول وانكينغ تشانغ من وحدة الصين العالمية في بي بي سي.

قرر المدربون الذين ظهروا في تلك البرامج افتتاح معسكراتهم الخاصة. لكن الطفرة الحقيقية حدثت في السنوات العشر الأخيرة، مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي.

تقول تشانغ إنه "إذا تصفحت وسائل التواصل الاجتماعي الصينية، ستجد محتوىً متنوعاً للغاية، سواء من منظمي معسكرات إنقاص الوزن أو من المشاركين فيها".

يتراوح هذا النوع من المعسكرات بين النمط التقليدي المنظم، كما هو الحال مع هوانغ، وقد يصل إلى حدّ وضع كاميرات مراقبة خارج غرف النوم تحسباً لمحاولة البعض طلب الطعام عبر الإنترنت، كما يوضح تشانغ.

أو على النقيض تماماً، قد تكون هذه المعسكرات "منتجعات فاخرة للغاية، حيث يمكنك الركض على جهاز المشي المطل على بحيرة خلابة".

يشار إلى أن الدافع الرئيسي هو تزايد السمنة حول العالم، ففي حوالي ثلثي دول العالم، يُصنف أكثر من 50 في المئة من البالغين ضمن فئتي الوزن الزائد أو السمنة. ووفقاً للسلطات الصحية الصينية، يُقدر أن 34 في المئة من البالغين في البلاد يعانون من زيادة الوزن، بينما يُصنف 16 في المئة منهم ضمن فئة السمنة.

ويضيف تشانغ من بي بي سي أن هناك أيضاً مشكلة ثقافية، إذ يقول إن "الصين بلد يتميز بانخفاض مستوى تقبّل التنوع في الأوزان، ما يعني أن من يعاني من زيادة الوزن يُرجَّح أن يواجِه تمييزاً أكبر في مكان العمل أو في العلاقات العاطفية".

وتُشكل الكربوهيدرات المكررة الموجودة في الأرز والفطائر الصينية (Dumplings) والمعكرونة مشكلة، بالإضافة إلى أن الناس في جميع أنحاء العالم يقضون أوقات فراغهم في منازلهم على هواتفهم أو أجهزتهم اللوحية بدلاً من الخروج.

وأثناء ذلك يُظهر حساب هوانغ على إنستغرام أنها موجودة حالياً في تايلاند، حيث تشارك في تحدٍ جديد لإنقاص الوزن لمدة 30 يوماً، وتمارس الرياضة لمدة ساعتين يومياً في ظل حرارة شديدة.