في قلب مدينة رام الله، في
الضفة الغربية إلى الشمال من القدس، خرج مئات الفلسطينيين في مسيرة حملت مزيجاً من
الاحتفال والألم، رافعين العلم الفلسطينيّ إلى جانب أعلام الدول التي أعلنتْ مؤخراً
اعترافها بدولة فلسطينية، ومن بينها بريطانيا وفرنسا.
ولم تغِب صور ضحايا من قطاع غزة عن المشهد،
فضلاً عن لافتات كُتب عليها "أوقفوا الإبادة"، ودوّتْ هتافات تطالب
بالحرية وبوقف الحرب التي ما فتئت تحصد الأرواح في غزة يوماً بعد يوم.
أميرة سليمان، سارت وسط الحشود مرتدية الثوب
الفلسطيني التقليدي، ورفعت العلم الفلسطيني إلى جانب علم السويد.
وقالت أميرة لبي بي سي، إن الاعترافات الأوروبية
والغربية "جاءت ثمرة سنوات طويلة من المعاناة وشلال الدماء الذي دفعه الشعب
الفلسطيني".
وأضافت أن "الاعتراف وحده لا يكفي، نحن
نريد وقف الحرب. هناك آلاف الشهداء في غزة والناس يموتون جوعاً. يجب على العالم أن
يتحرك الآن".
الأب عبد الله يوليو، كاهن كنيسة الروم الملكيين
الكاثوليك في رام الله، سار بين الحشود يرفع العلم النرويجي.
ورأى خلال حديثه مع بي بي سي، أن الاعترافات الدولية "خطوة
جيدة لكنها جاءت متأخرة جداً".
وأضاف أن "هذه القرارات لا معنى لها إنْ
لم تتحول إلى فِعل على الأرض يُنهي دوّامة العنف ويفتح أفقاً لحياة كريمة
للفلسطينيين".
أمّا أمين سر اللجنة المركزية لحركة
"فتح" جبريل الرجوب، فقد أكد خلال مشاركته في المسيرة أن الاعتراف
بالدولة الفلسطينية لم يكن ممكناً لولا "المجازر والإبادة الجماعية التي هزّت
ضمير العالم"، إلى جانب "صمود الفلسطينيين وإصرارهم على البقاء"،
و"القدرة السياسية على إدارة العلاقات الدولية".
لكنْ خلف هذه المشاهد المفعمة بالرمزية، يظل
كثير من الفلسطينيين مترددين في التفاؤل؛ فالحرب في غزة لا تزال مشتعلة، وحياتهم
اليومية في الضفة الغربية تزداد صعوبة مع استمرار التوسّع الاستيطاني الذي يلتهم
أراضيهم ويقيّد آفاق مستقبلهم.
وبالنسبة لكثيرين، تبدو الاعترافات الدولية
وكأنها "اعتراف بحق" في امتلاك دولة، لكنها لا تغيّر من واقع المعاناة المستمرة.
ويزيد من هذا الإحباط القيود المفروضة على حرية
الحركة، فقد أعلنت الهيئة العامة للمعابر والحدود أنّ معبر الكرامة، المَنفذ
الوحيد تقريباً للفلسطينيين نحو العالم الخارجي، سيُغلق اعتباراً من يوم غد
الأربعاء وحتى إشعار آخر، في كلا الاتجاهين.
ويضاف هذا القرار إلى وجود شبكة معقدة من الحواجز والبوابات المنتشرة في
أرجاء الضفة الغربية، و قد تجاوز عددها 900 نقطة، تفصل بين المدن والقرى وتعرقل
حياة الناس اليومية، من عمل وتعليم وعلاج.
وفي ظل هذا الواقع، يشعر الشاب محمد فريد أن الاعترافات الدولية، على
أهميتها الرمزية، لا تزال عاجزة عن كسر الجدار الذي يحاصر حياتهم.
ويقول فريد في حديث لبي بي سي: "بالنسبة لنا، فإن القيمة الحقيقية
تكمن في أن تتحول هذه الاعترافات إلى قوة ضاغطة توقف الحرب في غزة، وتفتح الطريق
أمام حرية حركة كريمة وحياة آمنة على أرض نعيش فيها دون احتلال".