كيف يمكن لدول الخليج تفادي الآثار السلبية للحرب على اقتصادها؟

    • Author, عاطف عبد الحميد
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • مدة القراءة: 6 دقائق

تبقى اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي محاطة بقدرٍ كبيرٍ من انعدام اليقين في الوقت الراهن بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وما يمكن أن تؤدي إليه من خسائر اقتصادية.

وفي ظل استمرار التصعيد في الشرق الأوسط وتزايد المخاطر المرتبطة بإمكانية تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية، تظل اقتصادات الخليج عرضة لأزمات اقتصادية محتملة.

ويستمر النفط في إظهار تحركات درامية في الأسواق العالمية خلال الفترة منذ بداية الحرب وحتى الآن، إذ بلغت ارتفاعاته حوالي 15 في المئة كما سجل هبوطًا بنسب قريبة من ذلك في هذه الفترة.

وجاءت هذه الارتفاعات بسبب مخاوف حيال نقص في المعروض العالمي، وهو ما يعرض النمو العالمي لخطر التباطؤ، والذي قد يتحقق بسبب إغلاق مضيق هرمز علاوة على استهداف منشآت نفطية في إيران ودول الخليج.

ورغم هذه المخاطر، هناك مقومات تتمتع بها هذه الدول والتي قد تمكنها من تفادي الأزمات الاقتصادية المحتملة.

يقول مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد والتمويل، في حديثه مع بي بي سي عربي: "تمتلك دول مجلس التعاون الخليجي أدوات مهمة لتفادي الآثار الاقتصادية للحرب، لكن قدرتها على الصمود ستظل مرهونة بطبيعة الصراع ومدته".

وقال تقرير صادر عن بنك ستاندرد تشارترد إن "التأثير الاقتصادي على دول الخليج سيظل محدودًا نسبيًا وغير متساوٍ بين الدول، بفضل ما تمتلكه من احتياطيات مالية ضخمة ومرونة مالية وهياكل اقتصادية أكثر تنوعًا مقارنة بالماضي".

وأضاف التقرير أن "المنطقة دخلت هذه المرحلة من موقع قوة، إذ تتجاوز أصول الصناديق السيادية واحتياطيات النقد الأجنبي لدول الخليج حاجز 6.5 ترليون دولار، وهو ما يوفر لها قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات الداخلية والخارجية".

مضيق هُرمز وقفزات النفط

يتوقع أن تواجه الدول التي تعتمد بشكل كبير على مضيق هُرمز دون وجود بدائل لوجستية ضغوطًا أكبر، سواء على مستوى الإيرادات أو على مستوى حركة التجارة.

وهناك دول في المنطقة لا تتأثر بإغلاق المضيق وتستطيع نقل نفطها إلى باقي أنحاء العالم رغم إغلاق مضيق هرمز مثل السعودية وعمان.

يقول مدحت نافع إن "أي تعطل طويل الأجل في صادرات الطاقة قد يؤدي إلى تراجع في الفوائض المالية، مما يفرض على بعض الحكومات إعادة تقييم أولويات الإنفاق".

ويضيف: "ارتفاع أسعار النفط سلاح ذو حدين؛ إذ يعزز الإيرادات على المدى القصير، لكنه قد يضغط على الاقتصاد العالمي ويزيد من تكاليف التأمين والشحن، خاصة عبر ممرات حيوية مثل مضيق هرمز".

ويُعد السر وراء احتلال النفط دائرة الضوء في الفترة الأخيرة هو أن منتجات الطاقة هي التي تحمل كلمة المرور إلى النمو الاقتصادي.

يُضاف إلى ذلك أن أسعار الطاقة تُعد بوابة دخول الارتفاعات التي تُمرر إلى باقي مكونات التضخم على مستوى العالم.

كما أن التضخم، الذي دون شك يتأثر بقوة بأسعار النفط وغيره من منتجات الطاقة، هو العامل الأهم على الإطلاق الذي يحدد اتجاهات السياسة النقدية للبنوك المركزية الرئيسية.

بذلك يكون النفط هو العامل الأول المسؤول عن ضبط إيقاع الاقتصاد العالمي والمتحكم في مدى ما يمكن أن يحققه من نمو، بناء على السياسة النقدية واتجاهها، إذ تحدد هذه السياسة النقدية البيئة التي تتوافر للشركات ومؤسسات الأعمال.

فالسياسة النقدية التشديدية، التي تعتمد على رفع الفائدة، تزيد من تكلفة الاقتراض وتحد من توسع الشركات، مما ينعكس سلباً على النمو الاقتصاد.

في المقابل، تُعد سياسة التيسير الكمي، التي تقوم على خفض الفائدة، بيئة داعمة لنمو الشركات عبر تقليل تكلفة التمويل، مما يعزز النشاط الاقتصادي.

يقول رائد حامد الخضر، مدير تطوير الأعمال لدى مجموعة إيكويتي Equiti للوساطة المالية، لبي بي سي: "ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير يمنح موازنات دول الخليج دعماً سريعاً، طالما استمرت الصادرات دون انقطاع. لكن إذا كان هذا الارتفاع ناتجاً عن حرب أو إغلاق ممرات بحرية، فإنه يصبح مجرد "علاوة خوف" مؤقتة وغير مستقرة.

ومصطلح "علاوة الخوف" في الاقتصاد، يعني الزيادة في السعر التي لا تأتي بسبب العرض والطلب الحقيقيين، بل بسبب القلق والتوتر في الأسواق، أي عندما تندلع حرب أو تحدث تهديدات (مثل إغلاق مضيق بحري)، يخشى المستثمرون من نقص الإمدادات مستقبلاً، فيرتفع السعر احتياطياً حتى لو لم يحدث نقص فعلي بعد.

الاحتياطيات الهائلة والمرونة المالية

يقول مدحت نافع: "الاحتياطيات المالية الضخمة وصناديق الثروة السيادية مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي وجهاز أبو ظبي للاستثمار تمثل خط الدفاع الأول، إذ تتيح للحكومات امتصاص الصدمات ودعم الاستقرار المالي على المدى القصير".

يقول الخضر: "هيكلة الاقتصاد الخليجي والمرونة المالية تساعد على الصمود، لكن بشرط أن يكون التدخل موجهاً لا عشوائياً".

وأضاف: "البنوك الخليجية، وخصوصاً في الإمارات، دخلت هذه المرحلة وهي تتمتع بسيولة ورسملة قوية، والتضخم في معظم دول الخليج ظل محتوى نسبياً خلال 2025، مما يعطي صناع السياسات مساحة للتحرك".

وتعني المرونة المالية في أبسط تعريف لها "القدرة على تدارك الصعوبات المالية والتغيرات الطارئة في تدفقها النقدي، والجاهزية لتمويل فرص الاستثمار بسهولة على نحو يمكن معه تحقيق أقصى قيمة وفي الوقت المناسب"، وفقاً لهارفارد بزنس رفيو.

لكن نافع يحذر من أن "هذه المرونة قد تتعرض للاختبار إذا طال أمد الحرب أو تراجع الطلب العالمي على النفط".

القطاعات غير النفطية

يشير تقرير ستاندرد تشارترد إلى أن القطاعات غير النفطية في دول الخليج أصبحت أكثر قدرة على الصمود، بفضل برامج التنويع الاقتصادي التي تبنتها الحكومات خلال السنوات الماضية.

يقول نافع: "التنوع الاقتصادي—خاصة في قطاعات السياحة والخدمات—يساهم في تخفيف حدة الصدمة، لكنه ليس حصانة كاملة، نظرًا لحساسية هذه القطاعات للتوترات الجيوسياسية".

واتفق الخضر معه في ذلك، قائلاً: "دول الخليج تستطيع تفادي الانهيار الاقتصادي، لكنها لا تستطيع تفادي الصدمة نفسها".

وأضاف الخضر: "التنوع الذي بنته دول الخليج خلال السنوات الأخيرة أصبح بالفعل خط دفاع حقيقياً، إذ أصبحت دول الخليج أكثر توسعاً في القطاعات غير النفطية مثل السياحة والخدمات المالية والإنشاءات والخدمات اللوجستية، وغيرها من القطاعات التي تحولت إلى محركات للنمو".

وبلغ نصيب قطاع السياحة في الإمارات من الناتج المحلي الإجمالي أكثر من 9.00 في المئة عام 2022، وهي النسبة التي ارتفعت إلى 10.8 في المئة في 2024.

وظلت هذه الزيادة مستمرة حتى بلغت 15.00 في المئة في 2025، وفقاً لوزارة الاقتصاد والسياحة الإماراتية. ويعكس ذلك قوة قطاع السياحة الذي يُعد من أهم مقومات برنامج التنويع الاقتصادي في البلاد.

كيف يمكن تفادي الأزمة المحتملة؟

رغم هذه التحديات، خلص تقرير ستاندردز تشارترد إلى أن التأثير العام على اقتصادات الخليج سيظل محدودًا، بفضل قوة الأسس الاقتصادية ومرونة القطاعات غير النفطية ووجود احتياطيات مالية ضخمة.

يؤكد نافع أن "دول الخليج في وضع أفضل نسبيًا لاحتواء الصدمة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة تداعيات صراع ممتد، وليس مجرد التعامل مع صدمة مؤقتة".

ويرى الخضر أن "المطلوب ليس دعماً شاملاً يبدد الموارد، بل حزم مؤقتة ومحددة للقطاعات المتضررة مباشرة مثل الشحن، الطيران، التأمين، التمويل التجاري، وسلاسل التوريد".

ويشير إلى أن "هذا ما نرى بعض ملامحه فعلاً في الإمارات؛ فدبي أعلنت حزمة دعم اقتصادي بقيمة مليار درهم منذ عدة أيام، كما أقر مصرف الإمارات المركزي في 17 مارس/ آذار 2026 حزمة مرونة للمؤسسات المالية مدعومة بأصول تتجاوز ترليون درهم لدعم السيولة".

وتسابق دول الخليج الزمن من أجل حماية تدفق التجارة والطاقة ببدائل لوجستية سريعة، وهو ما تعطيه أولوية قصوى.

فالسعودية رفعت صادراتها من ينبع على البحر الأحمر إلى قرابة أربعة ملايين برميل يومياً في منتصف مارس/ آذار، مستفيدة من خط الشرق - الغرب ذي الطاقة القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

ويرى الخضر أن قدرة دول الخليج على الصمود في مواجهة الآثار الاقتصادية للحرب "تعتمد على استخدام الاحتياطيات بذكاء، وتقديم دعم مالي انتقائي وسريع، وحماية القطاعات غير النفطية، وتأمين بدائل عملية للصادرات والواردات".