زملاء آمال خليل يودعونها: "لم تكن نجمة شاشة بل نجمة ميدان"

صدر الصورة، Anadolu via Getty Images

التعليق على الصورة، من مراسم تشييع الصحفية آمال خليل
    • Author, أحمد عبدالله
    • Role, بي بي سي عربي
  • مدة القراءة: 6 دقائق

خيّم شعور عارم بالخسارة على زملاء الصحفية اللبنانية آمال خليل، التي ارتبط اسمها لأكثر من عشرين عاماً بتغطية الأحداث في جنوب لبنان، قبل أن تُقتل خلال عملها الأربعاء.

وتقول زميلتها لارا الهاشم إن آمال خليل كانت تعرف الجنوب "أكثر من خرائط غوغل"، فيما يصفها زميلها إدمون ساسين بأنها "ذاكرة الجنوب".

وقتلت آمال خليل (1983)، الأربعاء، في غارة إسرائيلية استهدفت بلدة الطيري في جنوب لبنان، كما أصيبت المصوّرة زينب فرج التي كانت ترافقها.

وقال مسؤولون لبنانيون إن الصحفيتين تعرّضتا لـ"استهداف متعمّد" أثناء محاولتهما الاحتماء داخل أحد المنازل، بعدما أصابت غارة مركبة كانت تسير أمامهما، ما أدى إلى مقتل شخصين لم تعلَن هويتهما بعد.

وأضاف المسؤولون أن الجيش الإسرائيلي استهدف، بشكل متعمّد أيضاً، سيارة إسعاف واضحة المعالم كانت في طريقها إلى موقع وجود الصحفيتين.

في المقابل، نفى الجيش الإسرائيلي أنه منع فرق الإنقاذ من الوصول إلى المنطقة، مؤكداً أنه لم يستهدف صحفيين.

"تشبه كل ما هو جميل"

صدر الصورة، Reuters/Aziz Taher

وانطلق موكب تشييع آمال خليل من منزل عائلتها في بلدة البيسارية في جنوبي لبنان، الخميس، في أجواء من الحزن والغضب.

وخلال التشييع، قال شقيقها، علي، في حديث مصوّر لصحيفة "الأخبار" إن رحيلها شكّل "صدمة"، مضيفاً: "لم نستوعب بعد أننا خسرنا آمال فعلاً. كانت معنا، وفجأة لم تعد. كل شيء جرى بسرعة، باستثناء الإذن بالتحرك إليها الذي تأخر كثيراً. تلك الساعات الثماني بدت لنا كأنها ثماني سنوات".

وتابع: "آمال لا تشبه أحداً، ومن المؤلم أن ترحل. هي تشبه الجنوب، وتشبه لبنان. يحبها الجميع ويتعلق بها. تشبه الربيع، وتشبه كل ما هو جميل".

وأثار مقتل خليل حالة غضب في الوسط الإعلامي اللبناني، مع تواصل ردود الفعل المندّدة. وتزامن ذلك مع وقفة احتجاجية نظمها صحفيون في وسط بيروت، شدّد المشاركون خلالها على ضرورة المحاسبة. وقالت الصحفية إيناس شري لوكالة "فرانس برس": "المحاسبة هي الأهم، فلو كانت هناك مساءلة، لما استكمل استهداف الصحفيين واحداً تلو الآخر".

وكتب الإعلامي والوزير السابق جورج قرداحي عبر حسابه على فيسبوك: "آمال خليل.. يا زنبقة الجنوب، ويا جرح القلب، ويا شهيدة الغدر... والعجز... وغياب الضمير".

من جهته، كتب الإعلامي ريكاردو كرم إن آمال خليل "قامت بواجبها"، وإنها "ذهبت لتشهد على الحقيقة"، مضيفاً أن ما جرى "ليس قدراً ولا خسائر جانبية، بل انتهاك صارخ"، قبل أن يصفها بـ"زهرة الجنوب" و"عصفورة البكي".

الساعات الأخيرة

صدر الصورة، Instagram

التعليق على الصورة، آمال خليل أثناء تغطية ميدانية في جنوب لبنان، في صورة تعكس حضورها المستمر في مواقع التصعيد.
تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

يروي مراسل "تلفزيون العربي" إدمون ساسين تفاصيل الساعات الأخيرة قبل مقتل زميلته، قائلاً إنه عند الساعة 2:45 بعد ظهر الأربعاء، كانت آمال خليل لا تزال على قيد الحياة، وكانت تطمئن زملاءها عبر مجموعة تنسيق على تطبيق "واتساب" حتى الساعة 4:30.

ويقول ساسين إنه توجّه إلى مستشفى تبنين (قضاء بنت جبيل في جنوب لبنان)، بانتظار وصول سيارات الإسعاف التي كانت تنقل جرحى الغارة على الطيري، ولتسجيل مقابلة مع آمال حول ما جرى.

ويضيف أنه قرابة الساعة السادسة مساءً، وصلت سيارة الإسعاف وعلى متنها المصوّرة زينب فرج وجثتي شخصين قتلا في الغارة. ويقول: "عندها بدأ السؤال: أين آمال؟".

ويتابع ساسين أن تلك كانت من أصعب اللحظات عليه، إذ وجد نفسه ينقل خبراً يتعلق بزميلة رافقته في عشرات الجولات، قبل أن تصبح هي نفسها الخبر. ويقول: "زميلة لا يمكن أن تدخل الجنوب من دون أن تستشيرها أو تتحدث معها مرة أو مرتين في اليوم".

ولم تتمكن فرق الدفاع المدني من انتشال جثمان آمال خليل إلا بعد منتصف الليل. وحين وصلت إلى المستشفى، يقول ساسين: "كنت أسأل نفسي: هل ما أراه صحيح؟ هل هذه هي الحقيقة فعلاً؟".

من الكتابة إلى الكاميرا

صدر الصورة، Instagram

التعليق على الصورة، آمال خليل في جنوب لبنان، المنطقة التي واكبت تطوراتها الميدانية وارتبط اسمها بتغطية أخبارها لسنوات.

بدأت آمال خليل مسيرتها المهنية مع إطلاق صحيفة "الأخبار" عام 2007، وهي صحيفة لبنانية يومية تأسست في بيروت، وتعرف بخطها التحريري القريب من "حزب الله". وكانت قد كتبت قبل ذلك في مجلة "الحسناء" وصحيفة "البلد" والملحق الشبابي لصحيفة "السفير".

وقالت خليل إن عائلتها لم تكن ترغب في دخولها مجال الصحافة، خوفاً من طبيعة المهنة وعدم استقرارها، ما دفعها إلى دراسة الأدب العربي تلبية لرغبة والدها.

لكنها أوضحت أن علاقتها بالصحافة بدأت مبكراً، متأثرة بقراءتها لصحيفة "السفير" (وهي صحيفة لبنانية يومية صدرت بين عامي 1974 و2016، وعرفت بخطها التحريري القومي العربي ذي التوجهات اليسارية والداعم للفصائل الفلسطينية). وأضافت أن والدها صار لاحقاً يقرأ اسمها منشوراً في "السفير" ثم في "الأخبار".

وأضافت أن حرب يوليو/تموز 2006 شكّلت محطة مفصلية في مسارها المهني. وقالت إنها كانت تستعد للعمل ضمن صفحات المجتمع في الجريدة في بيروت، بعيداً عن السياسة، إلا أن الحرب دفعتها إلى العودة إلى بلدتها في الجنوب، ومن هناك بدأت التغطية الميدانية.

وفي مقابلة سابقة، قالت آمال خليل إنها انتقلت من الصحافة المكتوبة إلى تصوير الفيديو ومونتاجه بنفسها، لا سيما خلال فترات الحرب. وأضافت أنها راكمت مع الوقت صوراً ومقاطع توثّق تغيّر الواقع الميداني في القرى الجنوبية، بما في ذلك صور للأحياء قبل التدمير وبعده.

مرجع للصحفيين في الجنوب

صدر الصورة، Instagram

التعليق على الصورة، آمال خليل وإدمون ساسين خلال تغطية ميدانية في الجنوب اللبناني، حيث جمعتهما جولات صحفية متعددة في مناطق التوتر.

في مقابلة مع بي بي سي عربي، تقول لارا الهاشم، مراسلة "المؤسسة اللبنانية للإرسال إنترناشونال"، إنها تعرف آمال خليل منذ نحو 13 عاماً. وتضيف: "كانت تسبقني في الخبرة، وكانت محبة للمساعدة، خفيفة الظل، وقريبة إلى القلب".

وأوضحت الهاشم أن آمال بقيت، خلال السنوات الأخيرة، مرجعاً ثابتاً لها في كل ما يتعلق بالجنوب، إذ كانت تلجأ إليها كلما احتاجت إلى التأكد من خبر أو صورة أو فيديو أو أي معلومة تتعلق بالمنطقة.

كما أشارت إلى أن خليل كانت تشارك زملاءها أحياناً صوراً ومقاطع من مناطق حساسة، حتى عندما تكون قابلة للاستخدام الحصري.

وقالت الهاشم إنها كانت ترى آمال أشبه بـ"خرائط غوغل" الخاصة بالجنوب، لأنها تعرف "كل زاوية، وكل طريق، وكل منعطف، وكل تفصيل".

من جانبه، قال إدمون ساسين إن آمال لم تكن "نجمة شاشة"، بل "نجمة ميدان"، لأن الناس في القرى التي كانت تغطيها يعرفونها مباشرة، من الأطفال إلى الكبار.

وأضاف أن أي صحفي يدخل الجنوب ويتواصل معها كانت تساعده، سواء في التحقق من المعلومات، أو في الوصول إلى الناس، أو في فهم تفاصيل المكان، وكانت "هادئة" و"لا تخاف من شيء".

دعوات للتحقيق

صدر الصورة، REUTERS/Marko Djurica

التعليق على الصورة، وقفة احتجاجية للتنديد باستهداف الصحفيين في وسط بيروت الخميس

قالت وزارة الصحة اللبنانية إن الجيش الإسرائيلي "لاحق" آمال خليل وزينب فرج، اللتين كانتا قد لجأتا إلى مكان قريب عقب غارة إسرائيلية استهدفت مركبة أمامها، مؤكدة أن المنزل الذي احتمتا فيه تعرّض للاستهداف.

وأضافت الوزارة أنه عندما وصلت سيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر اللبناني لمعالجة الجرحى، تعرّضت لقنبلة صوتية وإطلاق نار من القوات الإسرائيلية، ما حال دون تمكّنها من الوصول إليهما.

وفي بيان، قال الجيش الإسرائيلي إنه "لا يستهدف الصحفيين، ويعمل على الحد من إلحاق الأذى بهم مع الحفاظ على سلامة وأمن قواته".

أضاف البيان أن الجيش حدّد مركبتين "غادرتا منشأة عسكرية يستخدمها حزب الله"، مشيراً إلى أن إحدى المركبتين اقتربت من قوات إسرائيلية بطريقة شكّلت "تهديداً فورياً" بعد عبورها "خط دفاع متقدّماً".

من جهته، قال كلايتون وايمر، المدير التنفيذي لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، إن الجيش الإسرائيلي تلقّى رسائل من المنظمة، وكذلك من صحفيين، تطالبه بالسماح لسيارات الإسعاف بالوصول إلى خليل. وأضاف: "أبلغنا الصليب الأحمر بعدم قدرته على العبور بسبب القصف الإسرائيلي المتواصل، وهذا يعكس استخفافاً صارخاً، إلى جانب ما يبدو أنه قتل متعمّد ومقصود لصحفية".

ودعت "هيومن رايتس ووتش" إلى إجراء "تحقيق موثوق" في مقتل خليل، مؤكدة أن الاستهداف المتعمّد للمدنيين يعد جريمة حرب.

ومنذ بدء الحرب بين حزب الله وإسرائيل في 2023، استهدفت إسرائيل مراراً فرقاً صحفية أثناء عملها في جنوب لبنان. من جهته، ينفي الجيش الإسرائيلي استهداف الصحفيين بشكل متعمّد، ويقول إن عملياته تقتصر على أهداف عسكرية تابعة لحزب الله.

وكانت آخر تلك الضربات في 28 مارس/آذار، وأسفرت عن مقتل ثلاثة صحفيين في منطقة جزين، هم المراسل في قناة "المنار" علي شعيب، إلى جانب مراسلة قناة "الميادين" فاطمة فتوني وشقيقها المصوّر محمد فتوني.

ودعا خبراء في الأمم المتحدة هذا الشهر إلى إجراء تحقيق دولي في مقتلهم، مندّدين "بما بات يشكّل ممارسة متكررة وخطيرة من جانب إسرائيل تتمثل في استهداف الصحفيين وقتلهم، ثم الادعاء لاحقاً، من دون تقديم أدلة موثوقة، بوجود صلة لهم بجماعات مسلّحة".